إستشهاده
  |  
روايات الكبّوشيين
Cross

رسالة الأب بونافنتورا

رسالة الأب بونافنتورا فاضل البعبداتي الكبّوشي إلى الأب بولس كنج البعبداتي الكبّوشي *

في هذه الرسالة، يُعطي الأب بونافنتورا بعض المعلومات عن مصير الأب ليونار والأب توما، ويتكلّم عن بعض القضايا الخاصّة. إنّ الأب بونافنتورا والأب بولس درسا معًا في بودجه. مع اندلاع الحرب العالميّة الأولى، كان الأب بولس في مِرسين، ولم يتمكّن من مغادرتها، فبقي هناك. أمّا الأب بونافنتورا، فكان في دياربكر، حيث طرده الجنود الأتراك مع الرهبان الآخرين، ما اضطرّهم اللجوء إلى دير أورفا، وفيه تمّ إلقاء القبض عليه، وعلى مواطنه البعبداتي الأب توما، وجميع الرهبان، وساقوهم إلى أَضَنة. توفّي الأب توما على الطريق، في سجن مَرْعَش، وحُكم على الآخرين بالأشغال الشاقّة لمدّة عشر سنوات. أُفرج عن الأب بونافنتورا نتيجة تدخّل القصادة الرسوليّة في اسطنبول، فعاد إلى بيروت، حيث كتب هذه الرسالة، بالعربيّة، بعد سنة من الإفراج عنه.


يسوع ومريم

بيروت، في ٩ أيار ١٩١٩

أخي العزيز بولس

أُقـبِّـل عيونك قبلات وقبلات وقبلات ثمّ أرجع أقبِّلك وأضمّك إلى قلبي المشتاق إليك اشتياقًا لا أعرف كيف أصفه لك. ومَن يلومني وأنت أخو صباي الحبيب الذي شاءت الأقدار أن تقصيني عنه منذ خمس عشرة سنة. بل أنت وحيد غربتي الذي بقيت لي من بعد إخوتنا الذين ذهبوا ضحيّة الحرب. بل راحوا شهداء اشتهدتهم خناجر البرابرة بقساوة يندر مثالها. أمّا لونردوس فقتلوه في مردين في مَنْ قتلوه من الأرمن، وأمّا توما فقد توفّي في الحبس حيث كنتُ أنا. رحمة الله على ذينك الأخين اللطيفين رحمةً واسعة.

أخي حبيبي بولس، أنا اليوم في الجبل برخصة من الرؤساء، جئت لاستريح قليلاً، وأفرِّج عنّي شيئًا من الأهوال التي ما انفكَّت تضغط علينا حتى يوم وصولي إلى مقرّ السلام، ومحطّ رأسنا العزيز بعبدات. آهًا لكِ يا بعبدات، ما أحلاكِ ثمّ ما أَمَرَّكِ. لقد مرَّرتْ قلبي ذكرى كثيرين من الأقارب، وأحباب كانوا فيها يومًا، والآن لا ترى منهم سوى القليل. وهؤلاء القليلون ما ألطفهم، لقد زاد حنوّهم لنا، ولطفهم معنا، شيئًا كثيرًا جدًّا. فلذلك قد أحبَّهم قلبي حبًّا كثيرًا، ولا سيّما لأبي المحترم، ومعلّمي الوقور، حضرة أخيكم يوسف الغيور الذي أبدى من الغيرة والتعلّق برهبنتنا ما قد يجعل الرهبنة مديونة له إلى الأبد.

هذا وأنا مفتكر أن أذهب مع الراهبات اللواتي أتين من أورفا إلى فرنسا. لست أدري يوم رجوعي، إلاّ أنّي أظنّه يكون في أواخر الصيف قبل القطاف. وأحبّ أن أراك في الجبل يومئذٍ لأتمتّع برؤياك المشتاق إليها كثيرًا. من فرنسا أخبرك كلّ شيء. في آخر هذا الشهر تحضر جميع البادرية على ما يقال، ومن ثمّ يسهل عليك ترك مطرحك مدّةً حتّى نرى بعضنا، ونجتمع سويّة، ولو أيّامًا قلائل، فنتكلّم عن أشياء وأشياء وأشياء. إنّه لا بدّ لك من الحضور، لأنّ موسى عاد السعيد الذكر قد ترك قصره الجميل، ورثًا لأبوّتك. فكما ترى، حضورك واجب إلى بعبدات. أنتَ تقول أنّك لا تريد أن تأتي إلى الجبل ما لم يحضر أحد من أميركا. فاسمح لي أَنْ أوبِّخك. إنّك غلطان وأي غلطان. أو ما يسوى أميركا كلّها بما فيها حضرة أبينا وأخينا العزيز يوسف. وهو ذائب شوقًا لرؤياك هو وكلّ مَن بقي من القرايب لا سيّما الشبّان. لا لا يا أخي لا تعنّد مثلي بل اكتب له مكتوبًا في أوّل فرصة تجدها، وبَشِّره بأنّك تحضر إليه طالما تسنح له الفرصة. وهكذا تلطّف قلبه الحنون وتكسب رضاه. إنّه أبوك مهما خبّطت وشبّطت. قَوْلي لازم تسمع منه لأنّه لنا بمقام أبينا وأمّنا وأخينا وحبيبنا وكلّ شيء لنا. أسمعت أم لا. بلى بلى إنّي أراك قد سمعت وفهمت. فكن إذًا مباركًا منّي ومنه.

الجميع بسلام وهم يسلّمون عليك. دُمْ باقيًا بحفظ الربّ.

أخوك المشتاق إليك
البادري بونافنتورا
____________________

* محفوظات الدكتور جوزف أنطون لبكي، بعبدات، لبنان

شارك:
Facebook
تويتر
إطبع
Go To Top
انتقل إلى أعلى الصفحة
الفصل السابق

تقرير الأب بونافنتورا

تقرير الأب بونافنتورا

Previous Chapter
الفصل التالي

الأخت مريم الانتقال

الأخت مريم الانتقال

Next Chapter
Go To Top
متابعة القراءة
...ومرّة أخرى، يـَـتـلـطَّـخ الثوب الفرنسيسي بدم الشهداء...
LeonardMelki
© فارس ملكي 2013