المئوية
  |  
الكنيسة الكلدانيّة
Cross

بطرس عزيز، أسقف سلامس المعترف

 

شهادة المعترف1 مار بطرس عزيز، مطران أبرشيّة سلامس الكلدانيّة، عن مذابح 1915 – 1918
الشمّاس: نوري إيشوع مندو



المقدّمة


عرفت بلاد فارس المسيحيّة منذ بداياتها، ونمت وازدهرت فيها سريعًا حتّى أنّ عاصمتها “أردشير” حازت الشرف لتكون كرسي مطرابوليطي في أواخر الجيل الثاني. وكانت ولاية مطرانها تمتدّ إلى بلاد الهند ومرو [في تركمنستان] وكرمان [في إيران] وجزيرة سيلان، ويمتلك صلاحيّة سيامة وإرسال الأساقفة لهذه المراكز كلّما دعت الحاجة، وذلك حتّى القرن التاسع.

وقد نال مطران فارس بعض الامتيازات، ونوع من الاستقلالية، حتّى حاول الخروج من طاعة جاثليق المشرق وسلطته، إلاّ أنّ نفوذه أخذ في التقلّص والخمول تدريجيًّا، منذ بداية الجيل الخامس، إلى أن خضع تمامًا، في نهاية الجيل الخامس، لسلطة جاثليق المشرق.

ويخبرنا التاريخ الكنسي أنّ مار يوحنا، مطران فارس، شارك في مجمع نيقية سنة 325م إلى جانب مار يعقوب، مطران نصيبين، كممثلين لكنيسة المشرق، لعدم مقدرة الجاثليق فافا الحضور بسبب الشيخوخة. وقد وقّع على قرارات المجمع المذكور تحت اسم يوحنا، مطران فارس والهند.

وفي مجمع مار إسحق سنة 410 م تمّ تحديد المقاطعات الكبرى في كنيسة المشرق، وترتيبها بحسب أهميّتها، فاعتُبرت أبرشيّة عيلام الأبرشيّة الأولى بعد الأبرشيّة البطريركيّة، وكان مركز الأبرشيّة في بيث لاباط، وتضمّ ستّ أسقفيّات هي: شوشتر، شوش، الأهواز، رامهو رمزد، كرخ ليدان، بيث مهرقايي. وهذه المراكز كانت على الحدود الغربيّة لبلاد فارس، واليوم نجد قسم منها ضمن إيران الحاليّة.2

ومع توسّع حدود كنيسة المشرق نجد في بلاد فارس، إلى جانب أبرشيّة عيلام، أربع أبرشيّات كبرى هي:

1- أبرشيّة حلوان، مركزها حلوان، وتضمّ أربع أسقفيّات هي: الدينور، همذان، نهاوند، الكرج.
2- أبرشيّة فارس، مركزها أردشير، وتضمّ أحد عشر أسقفيّة هي: شيراز، اصطخر، سابور، كرمان، دارنجر، سبران، مرمديت، سوقطرا، خراسان، أصفهان، قندهار.
3- أبرشيّة بيث رازيقايي، مركزها الري، وتضمّ ثلاث أسقفيّات هي: كاشان، قم، جرجان.
4- أبرشيّة أذربيجان، مركزها بردع، وتضمّ ثلاث أسقفيّات هي: تبريز، سلامس، أورمية.

ويذكر تقويم قديم لكنيسة المشرق، وُضع في الجيل الثالث عشر، مراكز هذه الكنيسة في بلاد العجم كالتالي: كوه، أورمية، طهران، شيراز، خراسان، قندهار، المدائن، السن، سلامس، أصفهان، قزوين، يزدين.3

ومع مرور الأعوام والسنين، وبسبب عوامل عديدة، تقلّصت هذه المراكز وأضحى أغلبها أثر بعد عين.

أولاً: نبذة عن أبرشيَتَي أورمية وسلامس في العصور المتأخرة

تقع هاتان الأبرشيّتان في مقاطعة أذربيجان الإيرانيّة، وكانت في سالف الزمان تُعرف بـ بلاد مادي، وموقعها شمال بلاد آثور. أمّا فرثيا والتي تُعرف بـ عراق العجم أو بلاد الجبل، فموقعها في شمال خليج فارس. ويُخبرنا سفر أعمال الرسل أنّه، في يوم العنصرة، عندما حلّ الروح القدس على العذراء مريم والتلاميذ في عليّة صهيون، كان بين الجموع الحاضرة في أورشليم فرثيون وماديون وعيلاميون والساكنون ما بين النهرين.

جاء في معجم البلدان: «أُرمية مدينة عظيمة قديمة بأذربيجان بينها وبين البحيرة نحو ثلاثة أميال أو أربعة… وهي مدينة حسنة كثيرة الخيرات واسعة الفواكه والبساتين صحيحة الهواء كثيرة الماء».4

وجاء في المنجد في الأعلام: «رضائية أُرمية القديمة مدينة في شمال غربي إيران».5

وجاء في معجم البلدان: «سلماس مشهورة بأذربيجان بينها وبين أُرمية يومان، وبينها وبين تبريز ثلاثة. أيام».6

وجاء في المنجد في الأعلام: «سلماس منطقة في أذربيجان شمال غربي بحيرة أُرمية، فيها قرى كان يسكنها الأرمن والآشوريين والكلدان واليهود مع أكثرية من الشيعة».7

ومن المعلوم أنّ أبرشيَتَّي أورمية وسلامس قد أنضمتا إلى رئاسة كنيسة المشرق المتّحدة مع روما منذ البدايات، وذلك واضح من خلال الاجتماع الذي عُقد بالجزيرة العمريّة في شباط 1552 لبحث موضوع استيلاء شمعون برماما على الكرسي الجاثليقي بصورة غير شرعيّة. وضمّ الاجتماع ثلاثة أساقفة هم: أسقف أربيل، وأسقف سلامس، وأسقف أذربيجان، وقد نتج عن هذا الاجتماع اجتماع أوسع في الموصل، ضمّ إلى جانب الأساقفة المذكورين، كهنة ووجهاء كنائس بغداد والكرخ والجزيرة وتبريز ونصيبين وآمد وحصن كيبا وماردين، وأفضى هذا الاجتماع إلى اختيار يوحنا سولاقا بلو، رئيس دير الربان هرمزد، جاثليقًا لكنيسة المشرق المتّحدة مع كرسي روما. نستنتج من هذا الحدث دور الأبرشيّات في بلاد العجم في مسيرة كنيسة المشرق.

وكان مركز الأبرشيّة في مقاطعة أذربيجان الإيرانيّة في مدينة بردع حتّى العصور المتأخرة. وعندما يزور البطريرك عبديشوع الرابع مارون مدينة روما سنة 1562م، يقدّم للبابا بيوس الرابع قائمة بالمراكز الخاضعة لكرسي بابل، منها أربع أبرشيّات في مملكة فارس هي: أبرشيّة أورمية العليا يتبعها أسقفيتين، أبرشيّة أورمية السفلى يتبعها ثلاث أسقفيّات، أبرشيّة سلامس يتبعها ثلاث أسقفيّات، أبرشيّة اسبورجان يتبعها أسقف واحد.

وكان الكرسي البطريركي لكنيسة المشرق الكلدانيّة قد انتقل إلى سلامس سنة 1580م، وفي سنة 1638م نُقل الكرسي إلى أورمية، وبقي هناك حتّى سنة 1662م. وفي مجمع آمد المنعقد سنة 1616م في كاتدرائيّة مار بثيون برئاسة الجاثليق مار إيليا السابع، نجد بين الحضور مطران فارس مار إبراهيم، علمًا أنّ أساقفة بلاد العجم ومادي قد عصوا على سلطة بطريرك بابل على عهد البطريرك سولاقا وخلفائه. وبقي كلدان بلاد فارس خاضعين للبطريركيّة الكلدانيّة أينما وجد كرسيها منذ بدء الكثلكة.

وفي بداية القرن السابع عشر حضر من بلاد فارس إلى دير مار أوجين في جبل إيزلا أساقفة شبطان والدوستاق وسلامس، وجمع من كهنة هذه الأبرشيّات، ووجوه الطائفة في تلك البلاد، واجتمعوا إلى البطريرك إيليا السابع، وانضمّوا إلى سلطته. علمًا أنّ البطريرك المذكور كان قد عقد عهد الإيمان مع الكرسي الرسولي في روما.

وكانت أحداث سنة 1724م التي جرت في أذربيجان بحقّ المسيحيين قد تركت الأثر البليغ في حياة أبرشيّاتها، حيث ذُبح الكثير من أبنائها، ونُهبت أموالهم، وسُلبت أملاكهم، ودُمّرت كنائسهم وأديرتهم، وهرب عدد وافر منهم إلى نواحي الموصل، وحتّى يومنا هذا يُطلق على هؤلاء لقب «أرمشنايي» بسبب أصولهم التي تعود إلى منطقة أورمية التي هجروا منها.

وقبيل الحرب الكونيّة الأولى، وضع الخوري يوسف تفنكجي8 دراسة هامّة عن وضع الكنسية الكلدانية آنذاك، وضمنها الأبرشيّات الواقعة في بلاد فارس وهي:

- أبرشيّة أورمية، يرأسها المطران توما أودو يعاونه 43 كاهنًا، وتضمّ الأبرشيّة 21 مركزًا هي: أورمية، كولفخا، جاراقوش، قوقتافا، أرديشاي، جرلك، دزا، ديكال، آدا، سبورخات، تاقوي، برديشوك، سناقاق، ماوان، ششجيهان، تركادر، بيباري، أنهار، جمرياش، نازي، اتلاقندي، وللأبرشيّة 28 كنيسة و12 مدرسة بالإضافة إلى معهد إكليريكي، أمّا عدد مؤمنيها فيربو على 7800 نسمة.9

- أبرشية سلامس، يرأسها المطران بطرس عزيز يعاونه 24 كاهنًا، وتضمّ الأبرشية 12 مركزاً هي: سلامس، خوسراوة، بلارور، كاريلان، عولا، قويسان، شهارا، خناقا، زيفاجرق، ساطورا، سرنا، كولامار، وللأبرشيّة 23 كنيسة و12 مدرسة، أمّا عدد مؤمنيها فيربو على 10460 نسمة.10

أمّا أحداث الحرب الكونيّة الأولى فقد تركت جرحًا بليغًا في جسم هاتين الأبرشيتين، حيث دُمّرت كنائسها وأديرتها ومدارسها، وخُربت بلداتها وقراها، ونال أبنائها الكثير من الويلات بسبب الصراع الروسي والفارسي والعثماني والإنكليزي الذي جرى في المنطقة المذكورة.

وبعد استشهاد مطران أورمية، مار توما أودو، سنة 1918، ورحيل مطران سلامس، مار بطرس عزيز، إلى الموصل، بقيت هاتان الأبرشيّتان بدون رعاة حتّى سنة 1930 حيث أُلغيت أبرشيّة سلامس بسبب الفراغ الكبير الذي حدث فيها، وضُمّت إلى أبرشيّة أورمية، وعُيّن مار أسحق خودابخش مطرانًا لها.

ومن الجدير بالذكر أنّه كان في بلاد إيران، إلى جانب الأبرشيّتين المذكورتين، في بداية القرن العشرين، أبرشيّة أخرى هي أبرشيّة سنا «سنندج» يرأسها مطران يعاونه 3 كهنة، وللأبرشيّة كنيستان ومدرسة، بالإضافة إلى ثلاث نيابات بطريركيّة هي: النيابة البطريركيّة في طهران، أُسّست سنة 1895؛ النيابة البطريركيّة في كرمنشاه، أُسّست سنة 1905؛ النيابة البطريركيّة في الأهواز، أُسّست سنة 1909.

وفي منتصف القرن الماضي أُلغيت أبرشيّة سنا وُضمّت إلى أبرشيّة طهران التي أضحت رئاسة أسقفيّة، كذلك أُلغيت النيابة البطريركيّة في كرمنشاه. أمّا النيابة البطريركيّة في الأهواز، فقد أضحت في السبعينات من القرن الماضي أبرشيّة، حيث أُعيدت إلى مقامها القديم والتي كانت تُعرف بأبرشية بيث هوزاي.

واليوم يوجد في إيران ثلاث أبرشيّات هي: أبرشيّة طهران، يرأسها المطران رمزي كرمو؛ أبرشيّة أورمية، يرأسها المطران توما ميرم؛ أبرشيّة الأهواز، يرأسها المطران حنا زورا.

ثانيًا: نبذة عن حياة المطران بطرس عزيز

وُلد في الموصل، في 6 نيسان 1866. ترعرع في كنف أسرة كريمة عُرفت بالتقوى وحسن الأخلاق، وما أن شبّ حتّى دخل مدرسة الآباء الدومينيكان بالموصل. وبعد أن نال قسطًا من العلوم، وتعلّم مبادئ اللغات الكلدانيّة والعربيّة والفرنسيّة أُرسل إلى روما سنة 1888، ودخل مدرسة انتشار الإيمان، وهناك نبغ في الفلسفة واللاهوت، وأتقن اللغات الإيطاليّة واللاتينيّة واليونانيّة والعبريّة، ومدّ باعًا طويلاً إلى الآداب الشرقيّة والغربيّة، وتفنّن في الشعر اللاتيني إلى درجة أنّه لُقّب بشاعر الجامعة.

رُسم كاهنًا في روما، في 27 تشرين الأول 1891. عاد إلى الموصل سنة 1892، فأقامه البطريرك إيليا عبو اليونان رئيسًا ومدبّرًا لمعهد شمعون الصفا البطريركي، فأقبل على عمله الهمام بعزم وثبات، وأخذ يهذّب عقول تلاميذه، ويثقّف قلوبهم بما تستلزمه دعوتهم الكهنوتيّة. وبين التدريس والإدارة كان يترجم الكتب الضروريّة للدروس الكهنوتيّة، ومن جملتها كتب المنطق والفلسفة وعلم الكتاب المقدّس والتواريخ الشرقيّة، وبفضل جهوده أحدث في المدرسة نهضة علميّة، وإدارة حازمة، أتت بأحسن النتائج. وبالإضافة إلى أتعابه، أُلقيت على عاتقه خدمة النفوس في كاتدرائيّة الشهيدة مسكنتا.

سنة 1897 عيّنه البطريرك عبد يشوع خياط وكيلاً بطريركيًّا في حلب، فلبّى الدعوة، وسافر إلى مركزه الجديد، وهناك لم يذخر جهدًا في الاهتمام بشؤون أبناء الرعيّة الروحيّة والزمنيّة، وانتظمت أحوال الرعيّة، وكان الناس من جميع الطوائف يحضرون إلى كنيسة الكلدان «مار بطرس وبولص» طمعًا بسماع المواعظ الثمينة التي كان يلقيها. وقد شيد بناية فخيمة في دار الكنيسة ذات ثلاث طبقات لسكنى الكهنة.

في سنة 1902، مرّ بحلب البطريرك عمانوئيل توما، واطلع على أعماله الباهرة، فرقّاه إلى درجة الخورنة [خوراسقف]. وفي هذه السنين، ظهرت في حلب الشيع البروتستانتيّة، فوضع كتابه الشهير «ردع الوقاحات البروتستانتيّة» فجاء مؤلّفه صدمة قويّة ضدّ تلك التعاليم. وبعد أن قضى ثلاث عشرة سنة في حلب، اختير مطرانًا على كرسي سلامس في إيران، ورُسم في 15 أب 1910 بوضع يد البطريرك عمانوئيل توما في كاتدرائيّة الشهيدة مسكنتا بالموصل.11

سافر إلى خسراوة مقرّ كرسيه المطراني، وما أن وصل، شَمّر عن ساعد الجدّ في تنظيم أحوال أبرشيته من كنائس ومدارس وأوقاف، وبجهوده أخذت تسير بخطوات ثابتة نحو النجاح والفلاح. لكنّ الحرب الكونيّة الأولى حلّت على أبرشيّته وأبنائه الويلات والنكبات، جعلته يترك مركزه في 21 حزيران 1918 ليتوجّه مع كهنته، وَمن تبقّى من أبناء الأبرشيّة إلى أورمية. وهناك عانى الكثير من المصاعب والعذابات حتى رُحّل إلى وان، ومنها إلى ديار بكر، ثمّ إلى الموصل.

في سنة 1919 عيّنه البطريرك عمانوئيل على النيابة البطريركيّة في مصر، وهناك عمل الكثير لرفع شأن الكنيسة ومؤمنيها. وبعد خدمة استمرّت ثماني سنوات، عُيّن معاونًا لمطران زاخو ونوهدرا، مار طيموثاوس مقدسي، الطاعن بالسنّ، سنة 1928. وبعد وفاة المطران مقدسي، سنة 1929، عُيّن مطرانًا على الأبرشيّة، فعمل بجدّ ونشاط على جميع الأصعدة. فجدّد بناء المطرانيّة، وشيّد الكنائس والمدارس في العديد من قرى الأبرشيّة المتوغلة في الجبال، وكان يفتقد المرضى، ويهتمّ بالمعوزين والمحتاجين، ويسعفهم بما يتسع له من المال.

توفي في 21 كانون الثاني 1937، ودُفن في كاتدرائية الشهيدة مسكنتا بالموصل. له العديد من المؤلفات نذكر منها:

- كتاب الفلسفة النظريّة والطبيعيّة وعلم النفس.
- كتاب تقاليد النساطرة واليعاقبة في رياسة البابوات.
- تقويم الكنيسة النسطوريّة.
- كتاب ردع الوقاحات البروتستانتيّة.
- لاهوت نظري في أسرار الكنيسة بشهادات ملافنة الكنيسة الكلدانيّة والسريانيّة.
- رياسة الأحبار الأعاظم بشواهد من الملافنة الشرقيين.
- رسالة في وقائع أورمية وسلاماس إبان الحرب الكبرى.

ثالثًا: نصّ شهادة المطران بطرس عزيز

إنّي أكتب مذكراتي وبالتحديد ما يخصّ المذابح الأخيرة التي حصلت في أورميا وسلامس. لأنّه لو أردنا الكتابة عن كلّ ما تحمّله شعبنا من عذاب وآلام خلال كلّ سنين الحرب لاقتضى ذلك المجلّدات العديدة. لذا فإنّي لم أتحدّث لا عن الهروب المأساوي الأوّل الذي حصل في الرابع من كانون الثاني عام 1915، ولا عن مذبحة الستة والخمسين مسيحي من أبناء أبرشيتي ومعهم الكهنة الذين لم يستطيعوا الهرب معنا. كذلك تجاوزتُ ذكر أعداد المسيحيين الذين استُشهدوا أو ضُربت رقابهم بالسيف في أورميا. هذا مع العلم أنّ عدد الكهنة الكاثوليك الشهداء بلغ أحد عشر كاهنًا. لقد كتبتُ عن الأحداث التي شاهدتُها فقط، وهي تخصّ المسيحيين الهاربين عشيّة احتلال الأتراك مدينة أورميا، والذين ذهبوا إلى بعقوبة قرب بغداد أو إلى همدان، ولم يتمكنوا من الاطلاع على الأحداث التي حصلت فعلاً بعد مغادرتهم. المسيحيون المتخلّفون عن الذهاب وبقوا في المدينة قُتلوا جميعًا، أمّا المباني والمؤسسات التابعة لهم، وكذلك الدُور، هُدمت وخُربت تمامًا، ولم تترك إلاّ آثارًا.

لَمّا احتلّ الأتراك مدينة سلامس، في 21 حزيران 1918، بدأ المسيحيّون بالهرب من أمام الغزاة خائفين مذعورين، وتجمّعوا في مدينة أورميا. وبما أنّي مطرانهم، وجب عليّ مرافقتهم في مسيرة العذاب والشقاء، فركبتُ حصاني، وأخذتُ ممتلكاتي الخاصّة في عربة.

اعترض مسيرة الهروب بعض الأكراد في الطريق. قُتل أحد المرافقين لي، وسائق العربة التي تحمل ممتلكاتي وأمتعتي. هاجم أكراد آخرون يتبعون إسماعيل آغا، المعروف بسيمكو، المسيحيين الهاربين من أورميا، وكانوا يُعدّون بالآلاف، قتلوا منهم أعدادًا غفيرة دون رحمة. وفي سلامس، أعطى علي إحسان باشا أوامره لقتل اثنين من الرهبان اللعازريين، وأحد الكهنة الذين يعملون في أبرشيتي، كما أمر بقتل كافة النساء والأطفال والشيوخ. أمّا الشابات الجميلات، فقد اختطفهنّ أتباع الأغنياء قبل بدء المجزرة، فأُخذن سبايا ومحظيات لإمتاع المجرمين. كان أحدهم، المدعو تيمور آغا، العصب المحرّك والموجّه الرئيس لفرق القتلة وعصابات الذبح.

بعد مرور حوالي الشهر من هربنا والتجائنا إلى أورميا، وعلى وجه التحديد في 31 تموز 1918، اقتحم الأتراك المدينة، واحتلّوها بجيشهم. أخذت جموع الكلدو أشوريين والأرمن وبقيّة اللاجئين، في الليلة السابقة لهذا الاحتلال، تهرب طالبة ملجأ قرب مخيّمات القوات الإنكليزيّة.

تخلّف عدد غير قليل من تلك الجماهير عن ركب الهاربين، وبقي مقيمًا في أورميا، ومن بينهم كان القاصد الرسولي المطران صونتاج، والمطران توما أودو، رئيس أساقفة طائفة الكلدان في أورميا12، وأنا الذي كنتُ أشغل منصب مطران سلامس، وعددًا كبيرًا من الكهنة والراهبات وآلاف المؤمنين، التجأنا جميعًا إلى مقرّ القصادة الرسوليّة التي كانت في الوقت عينه مقرًّا للإرساليّة الفرنسيّة اللعازريّة.

كان معنا في الإرساليّة عدد غير قليل من العوائل المسلمة الساكنة في أورميا، التجأت هي الأخرى إلى مقرّ القصادة في شهر شباط رغم ما كانت تكنّه من كره وحقد للمسيحيّة. هربت نتيجة قصف مدفعيّة الجيش الكلدو آشوري. كلّ هؤلاء هربوا واتخذوا لهم ملجأ عند الإرساليّات الأجنبيّة، من أمريكيّة وفرنسيّة. ظنّ القاصد الرسولي أنّ عمله تجاه المسلمين، أي قبولهم ضمن اللاجئين المسيحيين، وخاصّة الوجهاء منهم، سيساعد في المستقبل لأن يخلق نوعًا من التفاهم يومًا ما، وقد يؤدّي إلى تعاون وسلام بين الشعبين.

كان هناك من بين المسلمين اللاجئين أحد المواطنين الفرس المدعو أرشد همايون الذي كان يومًا موظفًا إداريًّا كبيرًا في المدينة. كان ذو خلق شرّير ومتعصبًا دينيًّا أهوجًا، ويُظنّ أنّ أرشد كان يومًا ما قائدًا للشرطة في أورميا. حدث يومًا وبينما كان إخوان أرشد بالدين يستعدّون لتنفيذ مجازرهم الرهيبة بحقّ المسيحيين، والطرقات محاصرة من قبل جماهير المسلمين، يُشجّع أحدهم الآخر للانخراط في الحرب الدينيّة المقدّسة، الجهاد، ويُشارك بكلّ طاقته، أن جاء أرشد وبعض من أزلامه إلى الإرساليّة الفرنسيّة كلاجئ. كان يُصرّح عندما كان مع اللاجئين المسيحيين بأنّه في حالة نجاح المسلمين في تنفيذ خططهم، سيكون مقرّ الإرساليّة الذي كان لاجئًا فيه آنئذ من حصته كغنيمة. أمّا في حالة انتصار الجيش المسيحي فسيكون في مأمن، وينجو من العقاب، لأنّه لاجئ بين اللاجئين المسيحيين.

خلال فترة إقامة أرشد في مقرّ الإرساليّة، استطاع التعرّف على كلّ الزوايا وخبايا المقرّ. سمعناه مرّة يحلف بالقرآن، بكلّ خبث ومكر، أنّه مستعدّ لأن يفدي بنفسه لحماية المقرّ في حالة تعرّضه لأيّ تهديد أو خطر، لكنّه عمليًّا كان السبب بحدوث المجازر، وتنفيذ أعمال الإبادة الجماعيّة للشعب المسيحي. قبل اقتحام مدينة أورميا واحتلالها من قبل الفيلق الرابع في الجيش التركي بقيادة صلاح الدين باشا، جاءت زمر التجتة13 أولاً كمقدمة للهجوم، وكانت تحت إمرة المدعو صالح أفندي. غادر أرشد همايون في هذه الأثناء مقرّ الإرساليّة مسرعًا للقاء الحاكم الفارسي الجديد في أورميا، وقدّم له بعضًا من أزلامه للمساعدة في التعرّف على الأمكنة التي يتواجد فيها الأرمن المسلحون، وبعض من المقاومين الشجعان لاقتحامها. إنّ ما عناه أرشد كان مقرّ الإرساليّة الفرنسيّة بالذات الذي كُنّا فيه، والذي هو نفسه كان قد التجأ إليه.

بينما كُنّا نحن الثلاثة (المطارين) مجتمعين في غرفة القاصد الرسولي الواقعة في الطابق الأرضي من المبنى، وبعد أن كُنّا قد انتهينا من تناول الفطور، سمعنا فجأة ضوضاء وهياج أمام باب المدخل. خرج القاصد الرسولي من الغرفة، وتوجّه نحو المدخل ليستطلع الأمر وما يجري. عند ذاك سمعنا دويّ إطلاقتين، ورأينا اثنين من أتباع أرشد قادمين نحونا ليبلغاننا بمقتل القاصد الرسولي. رأى تفاصيل الحادث بعض النساء اللواتي كُنَّ في ساحة المقرّ، وأبلغننا أنّهنّ شاهدن اثنين من جماعة أرشد همايون يُطلقان النار على القاصد الرسولي، ويُرديانه شهيدًا.

في الوقت عينه سقط الأب دنحا اللعازري شهيدًا قتيلاً أمام البيت الذي كان قد احتجز فيه مدّة ستة أشهر، بأمر من رؤسائه، والذي كان قد التجأ إليه بعض من المسلمين هربًا من ملاحقة الأرمن.

جاء بعد قليل أرشد همايون، فذكرناه بوعده، وطلبنا منه العون والمساعدة لينقذنا من المحنة التي نحن فيها. وعوضًا عن الاستجابة لرجائنا، قام الشرّير اللعين بتفتيش المقرّ باحثًا وبكلّ دقّة عن كلّ ما هو ثمين وخفيف الوزن مما نملكه من مقتنيات شخصيّة أو أمانات أودعت لدينا من قبل أصحابها من أبناء طائفتنا في سلامس وأورميا، ثقة بنا.

ما كاد أرشد يغادر المقرّ محمّلاً بالغنائم التي لم يستطع حملها بسهولة إلاّ ودخل أحد المجرمين الفرس من قرية بالار طالبًا نقودًا. تقدّم نحوه المطران أودو معترضًا ورافضًا الاستجابة للطلب. فتناول المجرم سلاحه وأطلق الرصاص على المطران فسقط على الأرض. عندئذ لم أرَ بدًّا إلاّ أن أقدّم للقاتل اللعين صليب الأسقفيّة الذي أحمله على صدري مع الخاتم الذي في أصبعي وحافظة نقودي.

بعد ذلك، جاء صالح أفندي، قائد التجتة، ودخل مقرّ الإرساليّة للتأكّد من عدم وجود أي من المقاومين الأرمن، حسب ادعاء أرشد. طلبنا إلى صالح أفندي مساعدتنا، وألححنا عليه بالرجاء، فوعدنا بالاستجابة لطلبنا إذا ما دفعنا له بعض المبالغ. وعده أحد الكهنة الموجودين في المقرّ ببعض المال إذا ما رافقه إلى دار أحد المسلمين من الوجهاء المعروفين حيث كان قد أودع كلّ ممتلكاته. خرجنا جميعًا من الإرساليّة الفرنسيّة، بناءً على كلام الكاهن، وذهبنا إلى دار الوجيه المسلم. نهض المطران أودو الذي كُنّا قد ظنناه قد مات ورافقنا.

وصلنا الدار المقصودة، ودخل صالح أفندي مع الكاهن إلى الداخل، وتركانا بين أيدي أربعة من الجنود الأكراد الذين بدأوا يهددونا لابتزاز ما معنا من نقود. شدّوا على لحانا، وضربونا على رؤوسنا بالسياط، وقطعوا أذن الأب بولس صليوا، ثمّ توجّهوا نحوي وقالوا: إننا نضمن لك الأمان والحياة إذا عُدتَ معنا إلى مبنى الإرساليّة الفرنسيّة، وسلَّمتنا ما قد نجده فيها. لذا أخذني اثنان من الجنود الأكراد إلى هناك ليستلما ما قد يجدانه.

وعند وصولنا، شاهدنا الفضائح المريعة والبربريّة المقزّزة حيث رأينا في الساحة والممرّات والغرف، مسلمين مسلّحين بالبنادق والسيوف المقوّسة، رجالاً ونساءً، وهم يقتلون الرجال والنساء والأطفال، بعد أن عرّوهم من ملابسهم تمامًا. لم يطلقوا عليهم الرصاص بل قطعوهم بالسيوف والخناجر المدببة الحادّة.

أخبرنا القليلون ممن ساعدهم الحظّ على النجاة بأنّ سكرتيري طُرح أرضًا بضربات الهراوات، بعد تعريته من ملابسه، وشدّوا على لحيته، وجرّوها بوحشيّة، فاقتلعوا معها جزءًا مع جلد الوجه، أخيرًا قضوا عليه بضربات قضيب على رأسه. خطفوا الفتيات والشابات الحسان، وذهبوا بهنّ. أمّا أرشد همايون فقد احتفظ بأجملهنّ لنفسه.

وصلنا مبنى الإرساليّة أثناء الهرج والصخب، ورأينا أنّ كلّ ما فيه كان قد نُهب، ولم يبق فيها شيء يُذكر لكي أسلّمه للكرديين، فاعتذرت. إحتدما غضبًا، وكادا أن ينفجرا. وفي هذه اللحظة، ولحسن الحظّ، وصل أحد الضباط الأتراك واسمه زهدي بك، وسأل عن من أكون، فأجبته: «إنّي مطران المنطقة، وبالأصل من الموصل». أجابني: «إنّي أعرف الموصل»، وأخذ يحدثني بالعربيّة. لم يجسر الكرديّان على إيذائي بحضرة الضابط، فوقفا بعيدًا عنّي.

رجوتُ الضابط المساعدة، فطلب منّي مرافقته لنلحق بزملائي الذين أمام بيت الوجيه المسلم. هنا التقينا صالح أفندي الذي أمر الضابط زهدي بك لأن يقتادنا إلى الآمر لينظر في أمرنا.

سرنا حوالي الساعتين ونحن حفاة وحاسري الرأس. كانوا يلهبون رؤوسنا ووجوهنا وظهورنا بالسياط لنسرع في مشينا، واللحاق بقائد مسيرتنا الذي ركب عربة في المقدمة. ضربَنا آخرون بأعقاب البنادق. أمّا المطران أودو فكان منهوك القوى. لم يتنازل محافظ المدينة الفارسي، إجلال الملك، الذي كان من المفروض أن نحضر أمامه، حتّى أن ينظر إلينا ونحن جالسون في باحة يطلّ عليها من جدار عال، نلوك قطعة خبز تصدّق بها علينا البعض عندما مررنا بهم ونحن في الطريق.

أخذونا إلى السجن بعد ساعة من الزمن حيث قضينا ليلتنا على الرصيف، وتمّ أخذنا، في اليوم التالي، إلى الآمر (القائد). إلتقينا هناك ثلاثة من كهنتنا، وبرفقتهم ما يقارب المائة من المسيحيين. أمر الآمر بسجننا، أمّا المطران أودو، وبسبب حالته الصحيّة المتردية، فقد أُخذ إلى المستشفى الأمريكي خارج المدينة.

استمرّت المذابح وحملات الإبادة خلال فترة اعتقالنا، لأنّ الأتراك كانوا قد سمحوا للفرس (الإيرانيين) بالانتقام من المسيحيين مدّة ثلاثة أيّام وليال. كُنّا نسمع خلال أيّام الأسبوع بأكمله ضوضاء العربات وهي تنقل الجثث، وتلقيها في الحفر والخنادق لإخفائها والتخلّص منها. كانوا يعطوننا في السجن الكفاية من الخبز لسدّ رمقنا. عندما بدأت إجراءات التحقيق اقتادوني أمام اللجنة المكلّفة بالتحقيق، ولم يكن ضدّي أي شكوى أو اتهام جدّي لأُحاكَم بموجبه، سوى ما أفاد به الأب رئيس دير اللعازريين، وهو أنّي هربتُ مع سكرتيري من أمام الأتراك، وهذا يعني بأنّي مجرم. أَجبتُ على هذه التهمة: «لكوني مطرانًا لأبناء طائفتي، لذا كنتُ ملزمًا أن أكون برفقتهم وهم يهربون ملتجئين إلى أورميا. هذا بالإضافة إلى أنّي شخصيًّا مواطن تركي». وأضفتُ: «أرجو أن لا تنسوا أنّ هناك سبب آخر لمغادرتي، وهو للتباحث مع ممثل البابا المقيم في أورميا للعمل بموجب توجيهاته». ولمّا ذكرتُ اسم القاصد الرسولي، المطران صونتاغ، سألوني عن مقتله، ونهب مقرّ إقامته. أمطرني الحاكم أكرم بك بالأسئلة ليعلم دقائق الأحداث تمامًا.

في اليوم التالي، أُلقي القبض على أرشد همايوني وأزلامه، وأُعطيت الأوامر، أخيرًا، لنقل كلّ السجناء المسيحيين إلى سلامس، وكان عددنا جميعًا حوالي الخمسمائة نسمة. وبعد مسيرة متعبة استغرقت ساعة من الزمن وصلنا قرية، فخيَّمنا فيها لقضاء ليلتنا، وكان المكان قريبًا من مخيّم عسكري تركي. لم يكن لنا أسرّة أو أغطية. كُنّا مجهدين منهوكي القوى من التعب والجوع والظروف الطبيعيّة القاسية. وردت برقيّة من أورميا صباحًا، فيما كنّا نتأهب لمواصلة السير، تأمر بإعادتنا، أنا والكهنة العاملين معي إلى أورميا، لتقديم شهادتنا بخصوص النقود التي سُرقت من مقرّ القصادة الرسوليّة.

عند وصولنا إلى أورميا، ألقوا بنا في السجن، ومنذ ذلك الحين لم نسمع أيّة أخبار أكيدة عن مصير رفاقنا الذين كُنّا معهم في الطريق إلى سلامس. قيل مرّة إنّهم يقومون بالمساعدة في عمليّات الحصاد، ومرّة أخرى قيل إنّهم أُبعدوا إلى وان. أمّا المطران أودو فقد بقي في المستشفى، ورغم أنّه حظي برعاية طبّية مميّزة من الإدارة الصحيّة، فإنّه عانى الكثير من العذاب على أيدي الجنود الذين كانوا يضربونه على رأسه وجسمه. وبعد تحسّن حالته الصحيّة، نُقل إلى السجن معنا. كان منظره يبعث ويستحقّ العطف والشفقة، فلم يستطع البقاء، وتحمّل ظروف حياتنا في السجن، فأعادوه إلى المستشفى حيث قضى نحبه بعد أيّام قليلة.

زارنا يومًا أحد الضباط الكبار، وعندما علم أنّي بالأصل من الموصل كلّمني بالعربيّة، وأخذ يستفسر عن سبب اعتقالي، فشرحتُ له السبب. شجّعني على تقديم عريضة إلى المجلس الأعلى للحرب، أثبتُ فيها برائتي. فقلتُ إنّي لا أستطيع تقديم عريضة كهذه لأنّي لا أحسن اللغة التركيّة، فقال قدّمها بالعربيّة، وأنا أتولّى أمر ترجمتها. علمتُ بعد ذلك بأنّ الضابط المذكور كان عربي الأصل من أبناء مدينة دمشق، واسمه إبراهيم أدهم بك، كان ضابط ركن (أركان حرب) في القيادة العامّة. تركت عريضتي انطباعًا طيّبًا، وطلبتُ فيها إرسالي إلى تفليس14 أو تبريز15. وعد القائد العامّ الضابط إبراهيم أدهم بك بأنّه سيرسلنا إلى إحدى المدينتين.

[إلاّ أنّ الأمور سارت ببطئ، ولم يتحقّق وعدهم لي. علمنا أخيرًا أنّهم سيرسلوننا إلى وان16]. تعرّفنا في السجن على المدعو أحمد بك، وكان من أصل مصري. عند مغادرتنا، تفضّل بتزويدنا برسالة تعريف إلى صديق له في وان، واسمه أدهم فضلي أفندي، كان ذو مكانة مرموقة في مجتمع المدينة. كتب أحمد لصديقه أدهم في الرسالة يقول: «إنّي أوصيك بهؤلاء السّادة المحترمين ذوي العلم والمعرفة والأخلاق، وقدّموا مساعدات كبيرة ومهمّة للمسلمين، فخلّصوا الآلاف منهم من مذابح محققة على أيدي الأرمن. لذا أرجو عمل كلّ ما تستطيعه لمساعدتهم».

رفض محافظ وان، حيدر بك، مقابلتنا، وعيّن لنا قرية تبعد ثلاث ساعات عن المدينة كمقرّ إقامة، حيث كان المساجين الأرمن. نظرًا لعدم استطاعتنا قضاء ليلتنا تلك في وان، لذا لم نتمكن من إيصال رسالة التوصية إلى أدهم فضلي أفندي.

سألنا الضابط المسؤول عن حراستنا عن دقائق قضايانا. بعد أن انتهينا من الإجابة على أسئلته، استفسرنا منه إن كان على معرفة بشخص يُدعى أدهم فضلي أفندي، أجاب: «إنّي أعرفه جيّدًا، لكن ماذا تريدون منه؟» أجبنا: «معنا رسالة له من أورميا». فرحنا لم يكن يوصف عندما أجابنا مبتسمًا أنّه هو شخصيًّا أدهم فضلي أفندي. سلّمناه الرسالة، فأصبحنا، منذ تلك اللحظة، موضع تقدير واحترام لديه. لقد كان آمرًا لحراسة مجمع السجن. أعطى الأوامر فورًا لتخصيص أحسن الدور لنا، وقدّم الشاي، ووفّر لنا كلّ ما نحتاجه. كان يتكلّم قليلاً من العربيّة باللغة الفصحى. فرح كثيرًا عندما تحدّثنا باللغة العربيّة، لغة القرآن الكريم، وخاصّة عندما سمعني أقرأ بعض السور عن ظهر قلب.

لم نبق على حالتنا هذه سوى خمسة أيّام إذ، بانتهائها، ورد أمر بنقل المسجونين إلى ديار بكر17، وكان علينا أن نكون ضمن المسجونين المنقولين. رافقنا أدهم أفندي إلى بتليس18، وحاول توفير الراحة الممكنة، وطلب تخصيص أفضل المحلات في الباخرة لنا. في طاطوان19 زوّدونا بخيمة، وعُيّن اثنين من الشرطة لخدمتنا. بقي يساعدنا حتّى عندما كنّا ننتظر الوحوش لتنقلنا إلى تبلس20، حيث سبقنا ليختار أفضل الأمكنة لسكنانا. إنّه عمل كلّ ما يستطيعه من أجل أن يهيئ المسؤولين كي يستقبلونا أينما حللنا بتقدير واحترام، ولم يرض أن يتركنا إلاّ بعد أن اطمأن أنّه قد أودعنا بين أيدي أمينة منهم، مثلاً الدكتور يوسف نعمة، عضو الإسعاف التركي من بيروت.

غادرنا تبلس ضمن قافلة الأرمن، وقد قضى منهم في الطريق أعداد غفيرة من البؤساء، وخاصّة النساء والأطفال، بسبب الجهد والتعب، فتركنا جثثهم على الطريق.

قبل الوصول إلى غرزان21، وبينما كنّا ننام في ثكنة عسكريّة، هرب الحرس الذي عيّنه المحافظ لخدمتنا، ومعه الكثير من أمتعتنا، لذا اضطررنا أن نقطع المسافة الباقية سيرًا على الأقدام، وحين وصولنا إلى غرزان، علمنا بصدور قرار الهدنة. وعندما وصلنا إلى ديار بكر، إلتقينا رئيس الأساقفة، صاحب السيادة سليمان صبّاغ الموقّر22 الذي استقبلنا بحفاوة، ووفّر لنا الطعام والملبس، وقدّم للمعوّقين منّا كلّ ما يحتاجون إليه من مساعدة طبيّة وأدوية، هذا رغم ما كان يعانيه من فاقة وعوز. كانت ضيافته في الحقيقة إنسانيّة وأخويّة ولا تُنسى.

وأخيرًا، وكنتيجة للجهود الكبيرة والمشكورة التي قام بها غبطة بطريرك الكلدان، استطعنا الوصول إلى مدينة الموصل، في الثاني من شهر آذار 1919.23

ويذكر المطران إسرائيل أودو في مذكراته: «بعد أن مكث المطران بطرس عزيز ثلاثة أشهر في آمد، عند المطران سليمان صبّاغ، حضر إلى ماردين في بداية شباط [1920؟]، واستقبلناه بفرح وسرور، وبقي عندنا 18 يومًا حتّى غادرنا يوم الثلاثاء في 18 شباط متوجّهًا إلى نصيبين، ومنها إلى الموصل.»24

الخاتمة

في هذه العجالة، اطلعنا على تاريخ أبرشيتَي أورمية وسلامس، قديمًا وحديثًا، ومن خلال شهادة المطران بطرس عزيز، اطلعنا على جزء من المذابح البشعة المقترفة ضدّ المسيحيين في هاتين الأبرشيتين، من قبل العثمانيين والفرس والأكراد، والتي أدّت إلى فراغ كبير في هذه البلاد التي كانت غنيّة بمراكز تابعة لكنيسة المشرق.

ومن الجدير بالذكر أنّ ما جرى في هاتين الأبرشّيتين، طال أيضًا أبناء الشعب الكلدوأشوري الذين هجروا إلى أورمية وسلامس تحت ضغط هجمات الجيش العثماني والعشائر الكرديّة، بعد أن تركوا موطنهم في جبال هكاري الواقعة في إقليم وان المحاذي لبلاد فارس والقفقاس.

إنّ شهادة المطران بطرس عزيز جاءت بناءً على طلب الأب المعترف جوزيف نْعَيّم25، الكلداني الرهاوي الأصل، والمولود فيها سنة 1888، وقد جمع العديد من شهادات الذين نجوا من المذابح، وعانى بدوره الكثير من الويلات والمصاعب، بدءً من قتل والده في مدينة أورفا، سنة 1915، ضمن قافلة من الشهداء سيقوا إلى الذبح، وهروبه مع مَن تبقّى من عائلته إلى حلب، ثمّ عودته إلى القسطنطينية لخدمة نفوس أسرى الحلفاء، بناء على طلب البطريرك عمانوئيل توما، حيث تمّ اعتقاله سنة 1916، وسُجن مدّة 130 يومًا عانى خلالها أقسى أنواع العذابات والإهانات، وكان شاهد عيان للعديد من مشاهد الرعب والقتل التي جرت بحقّ المسيحيين، جزاء تشبثهم بإيمانهم الذي عرّضهم إلى شتى أنواع الاضطهاد والأسى. تمّ إطلاق سراحه بمساعي كلّ من الوجيهان الكلدانيان داود بك اليوسفاني26 ولطيف بك طبيب27، والمبعوث الرسولي رئيس الأساقفة دولسي.

1 المعترف وبالكلدانية “عردصغا” “مودياني” تعني بالمفهوم الكنسي كلّ شخص تحمّل شتّى أنواع العذابات والإهانات في سبيل المسيح ولم يجحد إيمانه، وبقي على قيد الحياة، ونستطيع أن ندعوه الشهيد الحيّ. 2 في الكنيسة الكلدانيّة يترأس الأبرشيّة متروبوليت أو مطران وهو رئيس أساقفة، وعلى المطران أن يكون تحت سلطته أقلّه أسقفان. 3 تقويم قديم للكنيسة الكلدانية النسطورية، الخوري (المطران) بطرس عزيز، ص. 19- 21. 4 معجم البلدان، ياقوت الحموي، ج 1، ص. 159. 5 المنجد في الأعلام، دار المشرق، ص. 308. 6 معجم البلدان، ياقوت الحموي، ج 3، ص. 238. 7 المنجد في الأعلام، دار المشرق، ص. 362. 8 الخوري يوسف تفنكجي: كلداني من أبرشيّة ماردين، وحسب اعتقادي أنّ عائلة تفنكجي أصولها من ديار بكر. درس في معهد مار يوحنا الحبيب بالموصل. رُسم كاهنًا سنة 1907. خدم في ماردين ثمّ هرب إلى سنجار وخدم الفارّين هناك. عاد إلى ماردين، وألقي القبض عليه، وأدخل السجن، وبعد خروجه من السجن ذهب إلى سوريا، ومنها إلى بيروت، وخدم فيها. شيّد كنيسة القديسة تريزيا الطفل يسوع في منطقة الناصرة – بيروت، وتوفي هناك سنة 1950. دُمّرت الكنيسة في الحرب اللبنانيّة ولم يبقَ منها شيء، ونُقلت رفاة الخوري تفنكجي إلى مقبرة الكلدان الواقعة في أسفل كاتدرائيّة الملاك روفائيل في منطقة الحازمية. 9 الكنيسة الكلدانيّة الكاثوليكيّة، الخوري يوسف تفنكجي، بالفرنسيّة، ص. 50. 10 الكنيسة الكلدانيّة الكاثوليكيّة، الخوري يوسف تفنكجي، بالفرنسيّة، ص. 67. 11 الشهيدة مسكنتا وتُعرف أيضًا بالشهيدة شيرين: هي امرأة فارسيّة كانت تعيش في مدينة كرخ سلوخ (كركوك). كانت متزوجة ولديها ولدان. في زمن الملك يزجرد الساساني (399 -420) م جرى اضطهاد عنيف ضدّ مسيحيي المملكة. وقصة هذه الشهيدة تتحدث أنها كانت تخبز الخبز في بيتها، فبلغها خبر استشهاد عدد كبير من المؤمنين. فتركت العجين وأخذت ولديها وهرعت مسرعة إلى مكان استشهاد المسيحيين. وما أن وصلت هناك التقت بالحاكم المدعو طهمزكرد، فأمسكت بلجام حصانه واستحلفته بالفارسية بألاّ يحرمها من نعمة الشهادة، لتلحق بموكب الشهداء. فدهش الحاكم من طلبها، وحاول أن يثنيها عن عزمها، ولكن دون جدوى. فأمر بقطع رأسها ورأس ابنها الكبير. فأمّا الولد الصغير فأرتمى فوق جثتي امه وأخيه وصار يبكي، ويأخذ من دمهما ويمسح به عينيه وجسمه. وقد حاول الحاكم اين يبعده عن جثتي امه وأخيه فلم يفلح بذلك، فأمر بضرب عنقه فلحق هو أيضًا بموكب الشهداء. وتحتفل الكنيسة الكلدانية بتذكار الشهيدة مسكنتا وولديها في 25 أيلول من كلّ سنة. وفي القرن العاشر للميلاد شيدت كاتدرائية فخيمة في مدينة الموصل على اسمها، ولا زالت قائمة حتّى يومنا هذا. وكانت مقرّ بطاركة الكلدان من بداية القرن التاسع عشر وحتّى سنة 1960. وإلى جانب المذبح الرئيسي للكاتدرائية يوجد مصلى صغير يدعى (بيت القبر) يضمّ جثمان الشهيدة وولديها. 12 المطران توما أودو: هو ابن القس هرمز أودو. وُلد في ألقوش سنة 1855، وهو شقيق إسرائيل أودو، مطران ماردين، وأبن أخ البطريرك يوسف أودو. تلقّى مبادىء العلم في مدرسة ألقوش. سنة 1869 ذهب إلى روما، ودرس في كلية انتشار الإيمان. رُسم كاهنًا سنة 1880 وخدم بالموصل. سنة 1882 عُيّن نائبًا بطريركيًّا على حلب. سنة 1886 تسلّم إدارة المعهد البطريركي الكهنوتي. سنة 1892 رُسم مطرانًا على أبرشيّة أورمية، وخدم هناك حتى استُشهد فيها سنة 1918. له مؤلّفات عديدة، أشهرها معجمه “كنز اللغة الآراميّة”. 13 التجتة: كلمة تركيّة تعني قطّاع الطرق. 14 تفليس: مدينة في بلاد الكرج الواقعة شمال أرمينية، وهي عاصمة جورجيا. 15 تبريز: مدينة في شمال إيران، وهي من أشهر مدن مقاطعة أذربيجان، تشتهر بصناعة السجاد والطنافس والحرير، وفي وسط المدينة عدّة أنهار جارية تحيطها البساتين الشهيرة بجودة وكثرة فاكهتها. 16 وان: مدينة في جنوب بلاد أرمينية التاريخية، واليوم هي في شمال شرق تركيا، تقع على الشاطئ الشرقي لبحيرة وان الشهيرة. 17 ديار بكر: هي مدينة آمد الشهيرة، تقع جنوب تركيا على شاطئ دجلة الأيسر، تشتهر بتجارة الحرير والقطن والجلود. 18 بدليس: بلدة من نواحي أرمينية التاريخية جنوب بحيرة وان، واليوم هي في شمال شرق تركيا، تشتهر بجبالها الشامخة، ويضرب المثل في جودة فاكهتها. 19 ططوان: بلدة في شمال شرق تركيا جنوب مدينة وان. 20 تبلس: بلدة في شمال شرق تركيا في الطريق بين بدليس ومنطقة غرزان. 21 غرزان: منطقة غرب مدينة سْعرت حوالي 10 كم، تاريخيًّا تُعرف باسم أرزن وكانت مقرّ لكرسي أسقفي تابع لكنيسة المشرق منذ بداية المسيحية، وكانت تضم عشرات القرى التابعة لأبرشيّة سْعرت الكلدانيّة حتّى بداية القرن العشرين. أمّا اليوم فتعرف المنطقة بالتركية كورتلان. 22 المطران سليمان صباغ: وُلد في الموصل سنة 1865. درس في المعهد البطريركي. رُسم كاهنًا سنة 1888. رُسم مطرانًا على آمد سنة 1897. تحمّل الكثير من الألم والعذاب وهو يشاهد الطغاة يسوقون كهنته وأبناء أبرشيته للذبح سنة 1915. بعد المذابح عمل الكثير لجمع شمل من تبقّى من أبنائه، وفتح لهذه الغاية ميتمًا. توفّي سنة 1923، ودُفن في كاتدرائية مار بثيون، في ديار بكر. 23 هل ستُفنى هذه الأمّة، الأب جوزيف نعيّم (بالإنكليزيّة)، ترجمة نافع توسا، ص. 167-171، بتصرّف. 24 عضيبغريا “تأريخ”، مخطوط للمطران إسرائيل أودو، ص. 114. 25 الأب جوزيف نعيّم: كلداني من مدينة الرها (أورفا)، وُلد فيها سنة 1888. درس في معهد شمعون الصفا الكهنوتي البطريركي بالموصل. رُسم كاهنًا سنة 1910. خدم النفوس في الرها، وبعد استشهاد والده خلال المذابح سنة 1915 هرب مع أمه وأخوته إلى حلب. كلّفه البطريرك يوسف عمانوئيل خدمة نفوس أسرى الحلفاء في معسكر أفيون بتركيا. وخلال خدمته أُلقي القبض عليه، وسُجن مدّة 130 يومًا، ذاق خلالها أقسى أنواع العذابات. 26 داود بك اليوسفاني: كلداني من الموصل، وُلد فيها سنة 1854، نال وسام عثماني من رتبة صنف متمايز خلال مقابلة البطريرك يوسف عمانوئيل للسلطان عبد الحميد سنة 1902. سنة 1908 انتُخب عضوًا في مجلس المبعوثان “مجلس النواب” عن ولاية الموصل، أُعيد انتخابه مرّة ثانية سنة 1912. سنة 1920 نال وسامًا بابويًّا من رتبة “شوفالييه” بناءً على طلب البطريرك عمانوئيل. سنة 1921 عُيّن عضوًا في المجلس التأسيسي العراقي برتبة وزير. تُوفّي في الموصل في 25 آذار 1923 حسب ما جاء في كتاب الخواطر للخوري داؤد رمو. أمّا الأب بطرس حداد الذي حقّق كتاب “يوميات الحرب العالميّة الأولى” للبطريرك يوسف عمانوئيل الثاني، فيذكر في الهوامش تاريخ وفاته سنة 1927. أدّى خدمات جليلة للطائفة تذكر فتشكر. 27 لطيف بك طبيب: من وجهاء الطائفة الكلدانيّة في اسطنبول، كان يشغل عضو مجلس محكمة الاستئناف في اسطنبول. ومن المعلوم أنّ عبد الكريم باشا طبيب كان من كبار شخصيات الطائفة في اسطنبول، وكان يحمل وسامًا عثمانيًّا من رتبة “روم ايلي بكلربكي”.

شارك:
Facebook
تويتر
إطبع
Go To Top
انتقل إلى أعلى الصفحة
الفصل السابق

قصيدة إسرائيل أودو، أسقف...

قصيدة إسرائيل أودو، أسقف ماردين

Previous Chapter
الفصل التالي

بولس فرج رحو، مطران الموصل...

بولس فرج رحو، مطران الموصل الشهيد

Next Chapter
Go To Top
متابعة القراءة
...ومرّة أخرى، يـَـتـلـطَّـخ الثوب الفرنسيسي بدم الشهداء...
LeonardMelki
© فارس ملكي 2013