إستشهاده
  |  
شهود دعوى مالويان
Cross

المطران يوسف ربّاني

وُلد عبد الأحد ربّاني في الموصل – العراق سنة 1889 من عائلة سريانيّة كاثوليكيّة، وتوفّي في دار يسوع الملك – لبنان في 2 أيار سنة 1973. رُسم كاهنًا في 11 أيار 1913 تحت اسم يوسف، وأُرسل فورًا إلى ماردين لمعاونة المطران تبوني، فأوكله إدارة مدرسة الصبيان ومدرسة البنات، وهناك تعرّف على المطران مالويان.
اقتيد القسّ ربّاني مع قافلة الرجال الثانية التي انطلقت من ماردين في 15 حزيران 1915، والمؤلّفة من 266 محكومًا مسيحيًّا. قُتل ثلثهم أمام عينيه، ونجا الباقون بفضل عفو السلطان محمد رشاد الخامس الذي بلّغه إلى رئيس القافلة خيّالة الوالي الآتين من ديار بكر. هكذا أُنقذ في اللحظة الأخيرة، وعاد إلى ماردين مع ثلثي الرجال الناجين  1 .
سيم مطرانًا على حمص وحماه، في 29 كانون الثاني 1928، في كاتدرائيّة مار جريس للسريان الكاثوليك في الخندق الغميق – بيروت. تميّز بعظاته البليغة وبمحافظته الصارمة على القوانين الكنسيّة.
تشمل شهادته الإشارة إلى موقف المطران مالويان الشجاع تجاه طلب أحد رعاياه الانتقال إلى الإسلام، ومجريات اللقاء الوداع بين المطران مالويان والمطران تبوني، وأحداث الاستشهاد.
سَلَّم شهادة مكتوبة.

 

س: ماذا تعرف عن خادم الله المطران مالويان؟
ج: في العام 1913، كنتُ كاهنًا شابًّا عُيّنتُ في ماردين لإدارة المدرسة السريانيّة الكاثوليكيّة. بصفتي كاهنًا جديدًا، لم تكن لي علاقة ذات شأن مع المطران مالويان، لكنّه كان صديقًا مقرَّبًا جدًّا من المطران تبوني، رئيس أساقفة ماردين على السريان الكاثوليك، وكان يزوره غالبًا.

أذكر واقعة تُثبت شجاعة المطران مالويان في الدفاع عن الديانة المسيحيّة. قبل بدء عمليّات الترحيل في العام 1915، قامت امرأة مسيحيّة بتقديم طلب للانتقال إلى الإسلام. وكان على طلبات مماثلة أن تحصل على موافقة مجلس المدينة الإداري الذي يرأسه المتصرّف، والمطران مالويان عضوًا فيه حكمًا، بصفته رئيس طائفة دينيّة. بعد إشهار المرأة إسلامها، طُلب من المطران مالويان التوقيع على المحضر الذي ورد فيه بأنّ المرأة “اهتدت” إلى الإسلام. رفض المطران التوقيع وقال: «أنا لا أوافق على كلمة “اهتدت” لأنّ تلك الموافقة تعني اعتراف من قبلي بأنّ ديانتنا المسيحيّة غير صالحة». جرت المحاولات العديدة لإقناعه، لكنّه استمرّ بالرفض، ولم يوقّع على المحضر إلاّ حين استُبدلت كلمة “اهتدت” بكلمة “انتقلت”. تُبيّن هذه الواقعة مقدار الشجاعة الكبيرة التي كان يتحلّى بها المطران أمام أعضاء المجلس الآخرين الذين كانوا كلّهم مسلمين، بحيث أنّه، لَـمّــا بدأت عمليّات الترحيل، كان لهذا التصرّف انعكاسًا سيئًا على المطران، إذ تعرّض لشتّى أنواع العذابات على يد المسلمين الحاقدين الذين أرادوا الانتقام منه.

لَـمّــا عرف المطران مالويان أن ساعة توقيفه أتت، جاء لمقابلة المطران تبوني، وسَلَّمه وصيّته، وعهد إليه الاعتناء بأبناء رعيّته، وأعرب عن استعداده لبذل حياته في سبيل المسيح. كانت جلسة الوداع مؤثرة للغاية، وأدرك الأسقفان بأنّ طريق الشهادة أمام المطران مالويان أصبحت سالكة.

وسمعتُ أيضًا بأنّ المطران مالويان، في يوم الأحد الذي سبق عمليّات الترحيل، أعطى عظة أثناء القدّاس حرّض فيها المؤمنين على الثبات في الإيمان. وكان لهذه العظة وقع كبير لدرجة أنّ جميع المؤمنين تأثروا بها وبدأوا بالبكاء.

بعد الترحيل، انتشرت الشائعات عن المطران مالويان تقول بأنّه تعرّض لعذابات مريرة. كنّا في فصل الصيف، وقد أُجبر على السير حافي القدمين، مكشوف الرأس تحت أشعة الشمس. سمعتُ أيضًا بأنّ الجنود ورجال الدرك الذين رافقوا القافلة وعادوا إلى المدينة، أخبروا بأنّ القافلة توقفت في وقت ما، ليأخذ المطران خبزًا ويوزعه على رفاقه، وبأنّ غمامة ظللت فجأة جميع مَن في القافلة، تحت أعين الجنود والدرك. وبعد ربع ساعة، اختفت الغمامة، ولاحظوا أنّ جميع مَن في القافلة كان سعيدًا ويغنّي.

من الواضح أنّ هؤلاء الأشخاص لم يفهموا ما حدث، ولكن يبدو أنّ المطران قام بتوزيع القربان المقدّس على المؤمنين معه.

س: بحسب علمك، ما هي الفضائل التي ظهرت جليّة عند المطران مالويان؟
ج: الغيرة الرسوليّة، والتضحية من أجل المؤمنين، والالتزام الشجاع بالايمان الكاثوليكي.

س: كيف مات، هو ورفاقه؟
ج: تمّ قتلهم بالرصاص أو بالخناجر.

س: هل سمعتَ بأنّه عُرض عليهم اعتناق الإسلام مقابل إنقاذهم من الموت؟
ج: أنا لم أسمع شيئًا من هذا القبيل. ومع ذلك، حتى لو قيل بأنّ قتل هؤلاء الأشخاص جاء لأسباب سياسيّة، لا يمكن استبعاد الأسباب الدينيّة. فإذا كان قتل الأرمن لسبب سياسيّ، فهو أيضًا بسبب دينهم المسيحي، إذ هناك آخرين غير أرمن قُتلوا معهم، كالسريان والكلدان الذين لاقوا حتفهم لأنّهم مسيحيّون فقط.

س: هل ماتوا من أجل المسيح وبسبب ثباتهم على إيمانهم المسيحي؟
ج: لا نعرف إذا ما عُرض عليهم إنكار المسيح أو الإيمان المسيحي، لكنّ هؤلاء الضحايا كانوا يعرفون بأنّهم سيُقتلون بسبب إيمانهم المسيحي، وقد أقبلوا على الموت بطيبة خاطر.

س: هل سمعتَ شيئًا عن سلوكهم تجاه الذين عذّبوهم؟
ج: لا، لم أسمع شيئًا عن هذا الموضوع.

س: بعد وفاة المطران مالويان، هل سمعتَ بظواهر عجيبة ترافقت مع موته؟
ج: لم أسمع أي شيء محدّد، لكنّ رأي المسيحيين العامّ هو أنّ المطران ورفاقه ماتوا شهداء.

س: هل سمعتَ عن صلوات بشفاعته ونِعَم بواسطتها؟
ج: كلاّ.

س: هل لديك أي شيء تضيفه؟
ج: أُضيف واقعة واحدة. كنتُ في القافلة الثانية، وكنّا مكبّلين بالسلاسل، كلّ أربعة منّا مع بعضهم البعض. كنّا حوالي ثلاثمائة وخمسين شخصًا، كهنة وعلمانيين من مختلف الطوائف، وكنتُ مكبّلاً مع الأب جبرايل كتمرجي ، الكاهن الأرمني الكاثوليكي. وصلنا إلى ساقية ماء صغيرة، فسُمح لنا بالانحناء والشرب منها. وما أن انحنينا حتّى سقط علينا وابل من الرصاص. أراد البعض منّا النهوض لكي تصيبهم رصاصة ما، كي يموتوا من أجل المسيح، إذ كان إيمانهم قويًّا، وعندهم نعمة خاصّة. تَلقّى الأب جبرايل كتمرجي رصاصة في عنقه، وانهار على صدري، فأسرعتُ لإعطائه الحلّة الأخيرة، في ما كان دمه ينساب على ملابسي. لفظ الروح، ولم يتفوّه بأيّة كلمة. كُنّا مع بعضنا البعض طوال الطريق، وقد لمستُ عنده تسليمًا كاملاً، ورغبة أكيدة بتقديم ذاته إلى الله.

قُتل قسم من هذه القافلة الثانية، ونجا القسم الآخر بأمر من الحكومة. لم يتمّ قتلهم، لكنّهم اقتيدوا إلى ديار بكر. كنتُ واحدًا منهم، ولاحظتُ أنّه ما أن وصل الأمر لإخلاء سبيلنا حتّى امتعضنا كلّنا لأنّنا فقدنا فيه الفرصة لنموت في سبيل المسيح. وكُنّا نقول بأنّه لم يكن لدينا سوى مسافة ذراع واحد تفصلنا عن السَّماء، وها نحن نعود إلى العالم خائبين.

وهناك أيضًا تفاصيل أخرى وردت في خطبة ألقيتها في كنيسة القدّيس جرجس للسريان الكاثوليك ، العام 1938، بحضور البطريرك أغاجانيان 2 ، بمناسبة الاحتفال بذكرى ضحايا ماردين. أُرفق ربطًا نسخة عن الخطبة بخطّ يدي وموقّعة منّي.

1 اسحق أرمله ، القصارى في نكبات النصارى، 1919، ص. 212 ؛ ياسنت سيمون ، ماردين المدينة البطلة، دار نعمان للثقافة، جونيه، لبنان، 1991، ص. 61 ؛ جاك ريتوريه ، المسيحيّون بين أنياب الوحوش، ترجمة الأب عمانوئيل الريّس، كنيسة مار ميخائيل للكلدان الكاثوليك، إلكاجون، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأميركيّة، 2006، ص. 90. 2  وُلد غازاروس أغاجانيان العام 1895، وتوفي العام 1971 في روما، ودُفن فيها في كنيسة القدّيس نقولا الأرمنية. إنتخب بطريركًا على الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في العام 1937 تحت اسم غريغوريوس بطرس الخامس عشر، ودام في هذا المركز حتّى العام 1962. رفعه البابا بيوس الثاني عشر إلى مقام الكردينالية في العام 1946، ثمّ عُيّن عميدًا لمجمع انتشار الإيمان في روما، العام 1958، ودام في هذا المركز حتّى العام 1970. كان عالمًا لغويًا يتقن العديد من اللغات. قيل عنه بأنّه «الكردينال الأوسع نفوذًا في الكوريا الرومانية» وإنّه «الأرمني الكاثوليكي الأكثر شهرة في التاريخ» وإنّه «عالم ممتاز، ورجل ذو حضور مميّز». كان مرشحًا جديًّا إلى مركز البابوية، عند انعقاد كونكلاف العام 1958 حين تمّ انتخاب يوحنا الثالث والعشرون، وكونكلاف العام 1963 حين انتُخب بولس السادس. طالب سينودس الأرمن الكاثوليك المنعقد في بزمار (لبنان) في أيلول العام 2019 بفتح دعوى تطويب الكردينال أغاجانيان.

شارك:
Facebook
تويتر
إطبع
Go To Top
انتقل إلى أعلى الصفحة
الفصل السابق

منصور جبرايل عطالله

منصور جبرايل عطالله

Previous Chapter
Go To Top
متابعة القراءة
...ومرّة أخرى، يـَـتـلـطَّـخ الثوب الفرنسيسي بدم الشهداء...
LeonardMelki
© فارس ملكي 2013